السيد الطباطبائي
226
مجموعة رسائل العلامة الطباطبائي
والمشترك كما مرّ أقدم معرفة من المختصّ ، وكذلك البسيط أقدم من المركب ؛ لأنّ معرفة الجزء بما هو جزء أقدم من معرفة الكلّ بما هو كلّ ، والتفصيل وإن كان متأخّرا ، كما مرّ ، لكنّ المعرفة حينئذ تقع بالكلّ لا بما هو كلّ مركّب . ثمّ أقول : من البيّن أنّ الحسّ لا يستوعب جميع الأشياء وجميع المعلومات ، بل المحسوس منها شيء قليل ، فالصور الأخرى الجزئيّة التي لا تحسّ وهي معلومة ، لا بدّ أن يكون العلم بها لا بواسطة الحسّ ، وإلّا لكانت معلومة بالحسّ ، وهذا خلف ، وليست بآلية شيء من الخارج ، وإلّا لكان حسّا أيضا ، فكانت محسوسة ، وهذا خلف ، فهذه المعاني التي تنتزع من الصور المحسوسة الخارجيّة ، ويحكم عليها وبها بأحكام هي التي توجب أنّ لها وجودا وتقدّر لها شيئا ما من التصوّر ، ولكنّ هذا التصوّر حيث كان من جنس هذه المعاني وبحسب تقديرها لم يكن مهيّة تامّة لها حقيقة ، بل معروفات ورسوما بوجه ، وهذا بخلاف نفس المعاني المحسوسة ؛ إذ لو لم تكن حقيقتها هي ما عندنا لزم الجهل بها ، وهي معلومة ، وهذا خلف ، بل سلب للشيء عن نفسه ، لكن من الممكن أن لا يحصل لنا التنبّه بكلّ مميّز ذاتي لنا ، وهذا بخلاف المعاني . فتبيّن من جميع ذلك أنّ المعاني الانتزاعيّة التي لا تنتهي إلى صورة محسوسة يمكن أن يحصل لنا العلم بتمام ذاتها بالكنه بخلاف الأمور المحسوسة وما ينتهي إليها ، ولو كان كلّ معنى انتزاعي معلوما لنا بوجه ووجهه بوجه ولم ينتهي إلى معلوم بالكنه لم يحصل علم بشيء منها ، وهذا خلف ، وما قيل إنّ المهيّات الحقيقيّة غير معلومة بالكنه لانتهاء كلّ مركّب إلى بسيط ، فكلام غير تامّ بوجه . ثمّ أقول : إنّ التصديق في المعاني أصدق منه في الصور ، وذلك لأنّ الحسّ لا تصديق معه ، وليكن هذا مصادرة بعد حتّى يتبيّن في الفصل الرابع من هذه المقالة .